الغزالي
31
إحياء علوم الدين
وما هم بمرضى « قال الحسن : أجهدتهم العبادة . قال الله تعالى * ( والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ » 1 « قال الحسن : يعملون ما عملوا من أعمال البر ، ويخافون أن لا ينجيهم ولك من عذاب الله . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] » طوبى لمن طال عمره وحسن عمله « . ويروى أن الله تعالى يقول لملائكته : ما بال عبادي مجتهدين ، فيقولون إلهنا خوفتهم شيئا فخافوه ، وشوقتهم إلى شيء فاشتاقوا إليه . فيقول الله تبارك وتعالى : فكيف لو رآني عبادي لكانوا أشد اجتهادا وقال الحسن : أدركت أقواما وصحبت طوائف منهم ، ما كانوا يفرحون بشيء من الدنيا أقبل ، ولا يتأسفون على شيء منها أدبر ، ولهي كانت أهون في أعينهم من هذا التراب الذي تطئونه بأرجلكم إن كان أحدهم ليعيش عمره كله ما طوى له ثوب ، ولا أمر أهله بصنعة طعام قط ، ولا جعل بينه وبين الأرض شيئا قط . وأدركتهم عاملين بكتاب ربهم وسنة أبيهم ، إذا جنهم الليل فقيام على أطرافهم ، يفترشون وجوههم ، تجرى دموعهم على خدودهم يناجون ربهم في فكاك رقابهم . إذا عملوا الحسنة فرحوا بها ، ودأبوا في شكرها ، وسألوا الله أن يتقبلها . وإذا عملوا السيئة أحزنتهم ، وسألوا الله أن يغفرها لهم والله ما زالوا كذلك وعلى ذلك ، وو الله ما سلموا من الذنوب ، ولا نجوا إلا بالمغفرة ويحكى أن قوما دخلوا على عمر بن عبد العزيز يعودونه في مرضه ، وإذا فيهم شاب ناحل الجسم . فقال عمر له : يا فتى ، ما الذي بلغ بك ما أرى ؟ فقال يا أمير المؤمنين ، أسقام وأمراض . فقال سألتك باللَّه إلا صدقتني . فقال يا أمير المؤمنين ، ذقت حلاوة الدنيا فوجدتها مرة ، وصغر عندي زهرتها وحلاوتها ، واستوى عندي ذهبها وحجرها ، وكأني أنظر إلى عرش ربي والناس يساقون إلى الجنة والنار ، فأظمأت لذلك نهارى ، وأسهرت ليلى ، وقليل حقير كل ما أنا فيه في جنب ثواب الله وعقابه وقال أبو نعيم : كان داود الطائي يشرب الفتيت ولا يأكل الخبز ، فقيل له في ذلك ، فقال :
--> « 1 » المؤمنون : 6